✍️ بقلم: المهندس سعد صبيحي
ملامحٌ لا يمحوها المغيب
رَحَلْتُ عَنِ الـمَدينَةِ..
أَحْمِلُ في حَقائِبِ عُمْريَ الـمَكْسُورِ
نَزْفاً لا يَنَامْ
مَرَّتْ بِيَ السَّنَوَاتُ مِثْلَ المَقْبَرَةْ
عَامٌ يُسَلِّمُني لِعَامْ
ظَنَنْتُ البُعْدَ يَطْوِي الصَّفْحَةَ الأُولى
وَيَمْحُو وَجْهَكِ الوَضَّاءَ مِنْ خَلْفِ الغَمَامْ
لَكِنَّني عِشْتُ السِّنينَ جَنَازَةً مَنْسِيَّةً..
أُداري لَوْعَتي..
وَأَمُوتُ شَوْقاً في صَمْتِ الزِّحَامْ.
------------------------------
وَأَذْكُرُ يَوْمَ وَدَّعْنا
الحِكايَةَ عِنْدَ خَطِّ المِلْحِ
كُنْتُ مُغَيَّباً.. مَذْهُولاً..
كَأَنِّي أُسَاقُ لِلْمَشْنَقَةْ
حِينَ نَطَقْتِ بِالفِراقِ..
وَجِئْتِ تَطْلُبينَ الإِفْتِرَاقْ
تَوَقَّفَ النَّبْضُ..
وَغَابَ العَقْلُ في بَحْرِ العَجَبْ!
كَيْفَ لِقَلْبٍ أَسْكَنْتُهُ رُوحِي
أَنْ يُطَالِبَ البُعْادْ؟
كَيْفَ لِلْجَمَالِ المُرْتَسِمِ في عَيْنَيْكِ
أَنْ يَصِيرَ جَلاَدْ؟
وَقَفْتُ أَمَامَ طَلَبِكِ المُرِّ..
مُسْتَغْرِباً.. يَقْتُلُني الذُّهُولْ
أَبْحَثُ في مَلامِحِكِ النَّقِيَّةِ عَنْ سَبَبْ..
فَلَمْ أَجِدْ إلَّا الضَّبَابَ وَالافْتِرَاقْ.
------------------------------
هَجَرْتُ الـمُتَوَسِّطَ..
والشَّواطِئَ, والـمَسَاءَ
وزُرْقَةَ البَحْرِ العَمِيقْ
لَكِنَّ قَلْبي مَازَالَ عَالِقاً هُنَاكْ
فَفي كُلِّ مَوْجَةٍ
أَرى عَيْنَيْكِ تَبْكِيَانِي..
فِيهِما صَفَاءُ الكَوْنِ
وَفِيهِما هَلَاكِي!
وَوَجْهُكِ..
ذَاكَ الَّذي صَاغَهُ الرَّحْمَنُ قُدْساً
يُمَزِّقُنِي بِكُلِّ زَاوِيَةٍ..
وَيَقْطَعُ أَنْفَاسِي
وَثَغْرُكِ البَاسِمُ الـمَمْلُوءُ هَمْساً
يَشْوِي ضُلُوعِيَ كَالحَرِيقْ.
------------------------------
مَضَى الإبْحارُ بي في كُلِّ دَرْبٍ
وَمَا وَجَدَتْ شَواطِئُ
لعُمْريَ الـمُتْعَبِ مَرْسَى
عَبَرْتُ العُمْرَ كَالمَجْنُونِ..
أَقُولُ لَعَلَّني أَنْسَى!
وَعَدَّ بِيَ العُمْرُ..
وَشَابَ الرَّأْسُ يَا عُمْري
فَـمَا زَادَني الإبْحَارُ إلَّا غَرَقاً
وَمَا زَادَ الشَّوْقُ القَلْبَ إلَّا ذَبْحاً وَبُؤْسَا.
------------------------------
آهِ لَوْ يَعُودُ الزَّمَانُ يَوْماً..
لَأُلْقِيَ رَأْسِيَ الـمُتْعَبَ فَوْقَ رِمْشِكِ الغَالي
وَأَبْكِي كَالأَطْفَالِ خَوْفاً مِنَ الرَّحِيلِ..
وَمِنْ سَوَادِ اللَّيَالِي.
------------------------------
وها أَنَا اليَوْمَ.. في خَرِيفِ العُمْرِ وَحِيدْ
خَطَّ المَشِيبُ رَأْسِي..
وَمَا نَقَصَ الشَّوْقُ الحَرِيقْ
أَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ مَرَّةْ..
وَيَعِيشُ حُبُّكِ في دَمِي..
طِفْلاً وَلِيدْ.
2/6/2026
تعليقات
إرسال تعليق